صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

15

تفسير القرآن الكريم

فصل [ ما هو ضرب المثل ] قالوا « 1 » إنّ المقصود من ضرب المثال إنّه يؤثّر في القلوب ما لا يؤثّره وصف الشيء في نفسه ، وذلك لأنّ الغرض تشبيه الخفيّ بالجلي والغائب بالشاهد فيتأكّد الوقوف على مهيّته ويصير الحسّ مطابقا للعقل ، وذلك هو النهاية في الإيضاح ، ألا ترى إنّ الترغيب بالايمان والتزهيد عن الكفر مجرّدين عن ضرب المثل لا يتاكّد تأثيرهما في القلب ، وإذا مثّل الايمان بالنور والكفر بالظلمة يتاكّد تأثير حسن الايمان وقبح الكفر في القلب ؟ ولهذا كثّر اللّه في كتابه المبين وفي سائر كتبه ضرب الأمثال وقال : وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ [ 29 / 43 ] ومن سور الإنجيل « سورة الأمثال » « 2 » . أقول : قد علمت إنّ حقيقة التمثيل ما هو ، ودريت إنّ الغرض ليس مجرّد التأثير والوقع في النفس ، بل بيان حقيقة الأمر وملاكه وروحه ، أو لا ترى إنّ الألفاظ المذكورة في هذه الآية من النار والاستيقاد والإضائة والنور والذهاب والظلمات وغيرها كلّها محمولة على الحقيقة مشهودة بنظر البصيرة ، بل هي حقيقة أحوالهم الباطنة والتي هم عليها من الأحوال والأفعال الظاهرة هي مثال تلك الأحوال ، كما قرّرنا من أنّ ما في الدنيا أمثلة لما في الآخرة لكن المماثلة لما كانت من الجانبين يجوز استعمالها في كلّ من الطرفين ، إذ المثل في أصل كلامهم بمعنى المثل وهو النظير يقال : مثل ومثل ومثيل كشبه وشبه وشبيه ، ثمّ قيل للقول السائر الممثل مضربه بمورده مثل ، وربما اشترط أن يكون قولا فيه غرابة بوجه « 3 » .

--> ( 1 ، 2 ) تفسير الفخر الرازي : 1 / 293 . ( 3 ) الكشاف : 1 / 149 .